نشرة وصلة
اقتصاد الحواس الخمس

ما إن تهبط إلى مطار مسقط الدولي حتى تستقبلك رائحة اللبان الفاخر التي تعبق بالمكان، هي إحدى الطقوس العربية العُمانية الأصيلة أن يُودَعَ الزوار دومًا بأجمل الروائح، يا لروعة هذا الطِقس  الأصيل في الترحاب بالزوار وتوديع الناس؛ لأن ذاكرة المكان تُعزَّز دومًا بالرائحة أكثر من أي حاسة أخرى، فتخيل السائح الأجنبي حين يشم اللبان في أي مكان من العالم، ما الذي سيخطر له حينها؟! نعم! تذكرني هذه الرائحة بعُمان، تذكرني بمطار مسقط!

إن الحواس هي أساس أي محتوى تسويقي في العالم، وهكذا يَصنع التسويق موقف جذب الانتباه مُفَعِّلاً عدة حواس فأنت ما إن تبدأ بالعمل على أية فكرة تسويقية يجب أن تبتكر كل ما يؤدي لتوظيف البصر والشم والسمع واللمس والمذاق لتستقر في عقول المتلقين، اليوم نكتب لكم عن ذاكرة الرائحة العُمانية وكيف يمكن أن تشكل اقتصادًا قائم على الطبيعة والإنسان، تزخر عُمان بذاكرة تاريخية في تجارة اللبان والعطريات، كما تنعم بمخزونٍ أصيل وفاخر من اللُبان الذي يشكل جزءًا لا ينفصل عن تاريخ الحَضارة العُمانية، دليلاً على ماضي الأسواق القديمة التي رسمت معالم العالم الحديث اليوم.

ذاكرة زمكانية!

يُمكن أن نذهب بتصميم الروائح إلى أبعد من ذلك، فهي إلى جانب كونها تذكرك بالزمان والمكان، فهي شغف للكثير من الناس، حيث لا يخلو بيت عربي من شَغوفٍ بالعطور والروائح -يتفلسف- طوال الوقت عن أكثر العطور تميزًا وثباتًا ويتفاخر باقتنائه مجموعات ثمينة من العطور! تفضل الأمهات العربيات نوعًا ما من العطور وعلى رأسها اللبان، ويفضل الآباء الأنواع الحادة من دهن العود -غالبًا- ، بينما الشباب في سعيٍ دائم للحصول على رائحة مميزة وغير مكررة، بينما البعض الآخر يشكل هويته الشمية من رائحة محددة يعتمدها لتسبقه رائحته دومًا في المجالس والممرات كتوقيع يعبر عن وجوده في المكان لنقول: (المكان فيه ريحة فلان!). لذلك يُمكن أن يشكل اقتصاد العطور نقلة نوعية على مختلف الأصعدة في عُمان.

تشتهر كل بلد برائحة وعبق حباها الله إياه، حيث تشتهر بعض مناطق إيطاليا بالليمون والبرغموت، وتذكرك بلاد الشام بالورد والفل الدمشقي، كما تشتهر البرتغال بعبق البرتقال، في حين تشتهر فرنسا بحقول الخزامى، والطائف بالورد الطائفي في المملكة العربية السعودية، وغابات الهند بالعود المعتق ونجيل الهند، وهكذا تعرف بعض المُدن بالروائح والصناعات الأصيلة التي قامت بفعل مقومات ربانية واستمرت باحتراف أهل المكان صنعة استخراجها وتشكيلها لمنتجات.

اقتصاد الحواس الخمس

تذهب للجبل الأخضر في رحلة تستمتع فيها بمشاهدة الأرض من القمم، واستنشاق الهواء العليل، والاستمتاع بسكينة المكان وهدوءه، ولكن ماذا لو عشت ذاكرة المكان والزمان عبر تجربة سياحية مختلفة تشعر فيها بكل الحواس؟ أن تحصد المحصول وتساهم في تصنيعه وتتسوق من حصاده، كالاستمتاع بقِطاف الورد ولمسه، ومشاهدة عملية تقطيره، ومزجه مع مختلف الروائح، والشعور بشذاه وعبيره يجتاح الذاكرة ثم التجول في سوق شعبي زاخر بصناعات جبلية طبيعية من الورد، الياسمين، الخوخ، المشمش، الرمان، الصابونيات، المرطبات، والزيوت العطرية التي صنعها أهل الدار.

وماذا لو عشت تجربة مغامرة جبلية في ظفار! للتعرف على مهنة استخراج اللبان من قمم الجبال والأراضي التي عبَرت منها قوافل التجار ثم المرور بسوق يشبه سوق الحافة لكنه ينتمي أكثر لثقافة المكان وأساليبه التاريخية وأسواقه الشعبية القديمة، تشاهد فيه الأمهات والعطارين يصنعون البخور واللبان ويمزجونه بمختلف النكهات الأصيلة، لتشتري من المكان كل المنتجات الممزوجة باللبان والعنبر والمسك وغيرها من الزيوت الطبيعية العطرية والعلاجية، وصولاً لتجربة الأطعمة الشعبية والمشروبات والحلويات وغيرها، وبهذا تكون عشت لحظات الماضي بكل حواسك وحفظتها في أعز مساحة من الذاكرة.

للرائحة قوة، ولأصالة التجربة ومشاعرها قوة أكبر في إعطاء قيمة للمنتجات الطبيعية. يمكن للبشر الآن أن يشتروا مختلف المنتجات الطبية والكمالية المُصنَّعة في الدول الأجنبية لكنهم سيظلون يميلون للتجارب الأصيلة والملموسة مهما كلفتهم من جهد ووقت.


جزيل الشكر للعلامة العمانية الفاخرة أمواج لتوسعة تجربتها في صناعة العطور وافتتاح مقهى موسمي في أليلاجزيل الشكر للعلامة العمانية الفاخرة أمواج لتوسعة تجربتها في صناعة العطور وافتتاح مقهى موسمي في أليلا الجبل الأخضر حيث مزجت النكهات بالروائح فصنعت تحفًا فنية تتذوقها وتعيشها بكل الحواس، كما نشكر مبادرة رمانة في ابتكار معرض متكامل في قمة الجبل حول فاكهة واحدة بعينها وهي الرّمان، هي وسيلة للتعبير عن الامتنان لقيمة الأشياء والمعاني التي تحملها بداخلها. 

الشكر موصول للمصور العُماني أحمد الحوسني على إبراز الدهشة الموسمية التي تحدث كل عام في الجبل الأخضر الأخضر

قصص أخرى