
كانت خطة عولمة الأشياء تسير على خير ما يُرام إلى أن بدأ الناس يواجهون مشكلات واضحة في صحتهم النفسية وأصبحت قدرتهم على الاختيار أصعب من ذي قبل، والاستسلام لنمط معيشي طبيعي منذ عشرات السنين حلاً غير ملائم للجميع. بينما انتقاء مسلسل أو فيلم يصبح محيرًا للغاية وسط كم الخيارات الهائل، وإنهاء قراءة كتاب مهمة صعبة أمام إغراء العناوين التي تعرضها تحديثات القراء المؤثرين إلى جانب توفر خيارات هائلة من الكتب المسجلة على (Audible) وتطبيق (أخضر) ومكتبة البودكاست التي تعيش تسارعًا هائلاً وتكاد تقنع الجميع أنها بديل يغني عن القراءة المتعمقة.
تنميط موضة الشارع
انطلق مفهوم اختيار ألوان موضة السنة في عام 2000 ميلاديًا ليتم توحيد التنافس في القطاع الإبداعي واستوديهات التصميم والفن حول العالم لاستخدام مجموعة محدودة سنويا من الألوان لتؤثر بذلك على تنميط نتاجات دور الموضة، ويتم إصدار مجموعات تصاميم ذات مفاهيم متشابهة تسيطر على الشوارع والأسواق، وهنا أصبح ارتداء الملابس بتصميم وذوق خاص شيء غريب على العقل الجمعي لتبدأ مشكلة إطلاق الأحكام على شخصيات الأفراد ومدى اطلاعهم على اتجاهات الموضة والأخبار بمجرد النظر إليهم، ومن المسلم به التعرف على مستوياتهم المادية بمجرد النظر لقيمة علامة الحقيبة والساعة والسيارة وغيرها من الإكسسورات التي تحولت إلى أساسيات تضاف لقراءة أنماط ذوق الأشخاص ومستوياتهم الاجتماعية واهتماماتهم على أنها لم تعد دليلا قاطعا يؤكد قيمة ثروات الأفراد بعد أن بدأ جيل Z بالترويج للعلامات التجارية الفاخرة عبر (TikTok)، وهذه قضية أخرى!
قرارات قائمة على (الترند)
أصبحنا بحاجة لحلول لأبسط قراراتنا اليومية، فنحن بحاجة ماسة للمساعدة في معرفة أفضل المطاعم التي تقدم وجبات لذيذة تبعد الملل عن ذائقتنا المشبعة لاختيار مطعم ملائم عبر تطبيق طلبات أو تم دن، وبحاجة للمزيد من الإلهام من خلال (Pinterest) لاختيار ملابس مميزة نشبه فيها الآخرين طالما لم نطور ذوقنا الخاص، وديكور منزل جديد ربما على نمط تجريدي أو بوهيمي أو أوروبي لبيت عربي أبًا عن جد. بينما هناك مجموعة من التطبيقات التي توفر حلولاً للسفر والرحلات وننشئ من ورائها قرارات قائمة على تزكيات الآخرين ثم نتكدس في أماكن محددة في خارطة العالم مسببين فوضى في أسعار السفر والتذاكر والمقاهي!

علامات تجارية تستعيد الماضي الجميل
إنه لأمر جلل أن تستعيد العلامات التجارية ماضيها بالذكريات والفنون البصرية القديمة لتذكر نفسها والآخرين أنها بدأت من منظورها ورؤيتها في يوم من الأيام، ولم تكن (الترندات) وسيلة للانتشار والتميز يومها، بل كانت العلامات القائمة على فكرة أصيلة تفهم شعور العلامة وشخصيتها وقيمتها وتود أن تمنح جماهيرها ومحبيها شعورًا مميز تفهمه من جانبها لأنها لم تتماهى بعد في فوضى التنافس والاتجاهات التسويقية الرائجة. حيث أرادت أن تعطي شعور يفهمه الجمهور الذي تستهدفه وتفهمه، ولم تكن شخصياتها محددة بعد على نموذج محدد ومحدود يدعى (Archetype) فقد كانت مشغولة ببناء أساس قوي لقصتها ورؤيتها ومهمتها لتصبح هي نموذج اليوم. مثالاً على ذلك، يستعيد عالم السينما مجده بإنتاج المزيد من الأفلام التي تتقاطع مع قصص أفلام أسطورية قديمة في سيناريوهاتها وأجوائها لتعطي شعورًا بالحنين إلى مشاعر قديمة لمشاهديها عن طريق المحاكاة مع واقع اليوم ومعطياته.
البديهية أن تصبح نفسك!
ابتكار نمط فردي خاص تحدٍ أمام ما هو بديهي في هذا الزمن، ولهذا فإن الحنين للأيام الخوالي هو شعور مشترك وإن كان خفيًا وغير ظاهر لدى الجميع، ولذلك فإننا نعيش مرحلة تحول إلى الفردية. أكبر دليل على ذلك اتجاهات الاستقلال الفردي والتحول إلى نمط العمل عن بعد لعيش حياة عابرة الحدود والقارات طوال العام. اللجوء لمدربي التشافي للتحرر من القيود الذاتية والتشافي من صدمات الماضي للتعرف على إمكانات التعاطي مع الواقع. دليل إضافي آخر هو تحرر المرأة من العمل الوظيفي وانطلاقها نحو تحقيق رؤيتها الذاتية للحرية والفن والتخلص من قيود الوظيفة عبر العمل الخاص.
ختامًا
ماذا لو ذهبنا جميعًا كأفراد وعلامات لعالم موازٍ لكنه لا يقدم معطياتنا الحالية، مثل سرعة الانتشار والتناسخ والحكم المبني على أساس الموضة والعولمة و(الترند). عالم لا يوجد في شاشاته (رائج الآن) أو (يحدث الآن) ولا تنتشر فيه قصصنا مثل النار في الهشيم، عالم لا نتلقى فيه أية إشعارات بالإعجاب ولا ننتظر فيه بيع المزيد من المنتجات عبر إعلانات شبه منسوخة الصوت والكلمة.ما الذي سنقدمه من قيمة؟ ما شكل الشخصيات التي سنظهر بها للآخرين؟ وهل يكون تأثير تشابهنا مع الآخر مهمًا إلى هذا الحد؟! هل سنشجع اختلافنا أصلاً؟!